موسوعة الوجوه والنظائر في القران الكريم | احمد الضالع | فهد البريدي | ط. دار التدمرية | 4 مجلدات
£ 53.77 £ 45.70
اسم المؤلف: احمد الضالع | فهد البريدي
تحقيق | تخريج | تعليق | ضبطه | دراسة: بلا
إعداد | إشراف | قدم له | واعتنى به | راجعه | جمع: بلا
ضبط | ترجمة | مراجعة الترجمة | تدقيق الترجمة: بلا
الموضوع : علوم القران | الفاظ القران
الناشر : الدار التدمرية | الرياض ، المملكة العربية السعودية
رقم الطبعة: الاولى
سنة الإصدار: 1435 هـ | 2014 م
عدد الأجزاء: 4
عدد الصفحات: 1712
نوع الغلاف: مجلد فني فاخر الطباعة
نوع الورق: شاموا فاخر
الطباعة: طباعة غير ملونة | الخط واضح
Out of stock
Description
موسوعة الوجوه والنظائر في القران الكريم | احمد الضالع | فهد البريدي
الكتاب عبارة عن أربع مجلدات، والكتاب في علم الوجوه والنظائر الذي هو من علوم القرآن التي عني فيها مؤلفوها بجمع الاستعمالات القرآنية للكلمة الواحدة في موضع واحد مع الاستشهاد عليها من كلام الله تعالى.
للعلماء في المراد بالوجوه والنظائر اتجاهان:
الاتجاه الأول: وتقلَّده ابن الجوزي بقوله: «معنى الوجوه والنظائر أَن تكون الكلمة واحدة، ذُكِرَتْ في مَواضِع من القرآن على لفظ واحد، وحركة واحدة، وأُرِيد بكلّ مكان معنى غير الآخر، فَلَفْظُ كلّ كلمة ذُكرت في مَوضِع نَظِيرٌ للفظ الكلمة المذكورة في الموضع الآخر، وتفسير كلّ كلمة بمعنى غير معنى الأخرى هو الوجوه؛ فَإِذن النَّظَائِر: اسم للألفاظ، والوجوه: اسم للمعاني».
الاتجاه الثاني: ويمثّله الزركشي ومَنْ وَافَقَه، قالوا: «الوجوه: اللفظ المشترك الذي يُستعمل في عِدّة معانٍ؛ كلفظ الأُمَّة، والنظائر كالألفاظ المتواطئة».
والفرق بين الاتجاهَيْن واقع في المراد بالنظائر فحسب؛ لأنّ الوجوه في كِلَا التعريفين يُراد بها المعاني المتعدّدة للّفظ المتفق في مواضع وروده في القرآن الكريم، وأمّا النظائر فإنها على القول الأول تعني اللفظ المتكرّر في كلّ موضع بِغَضّ النظر عن معناه في كلّ موضع، وعلى القول الثاني فإنّ النظائر تمثّل المواضع المتفقة في المعنى داخل الوجه الواحد فإذا وردت كلمة (أُمّة) في أحد وجوهها بمعنى (سنين) في موضعين من القرآن، فيقال في كل موضع من الموضعين هو نظير الآخر، وهذه الآية نظيرة تلك.
وهذا الاتجاه الثاني في معنى النظائر أَوْلَى بالقبول، وأليق بما هو مذكور في كتب الوجوه والنظائر؛ إِذْ عادة علماء الوجوه والنظائر أنهم يذكرون مع كلّ وجهٍ الآياتِ المتناظرةَ في هذا الوجه، ويعبّرون بكلمة (نظير) عند سرد الآيات التي يعدّدونها في سياق التمثيل لوجه واحد من الوجوه بحيث يكون لكلّ وجه نظائره التابعة له، ولا يمكن لوجهين أن يشتركَا في النظائر، فيميزون بذلك بين الوجوه والنظائر.
وبناء على ما سبق فالوجوه هي: المعاني المتعدّدة لما تكرّر بلفظه أو أصله في القرآن الكريم.
وقصدتُ بقولي: «أو أصله» إدخال ما كان اشتقاقه واحدًا كـ(آمن، وإيمان)، فإنه يُعَدّ عند علماء الوجوه والنظائر شيئًا واحدًا في بيان وجوهه، وإن كان لفظه مختلفًا من حيث إنَّ أحدهما فعل، والآخر مصدر.
والمختار في تعريف النظائر أنها تشمل أمريْن:
1- المواضع المتناظرة في الوجه الواحد المتّفقة في المعنى فهي أفراد الوجه الواحد ومواضعه وذلك فيما تعددت وجوهه.
2- كلّ المواضع القرآنية المتفقة في المعنى لما جاء على وجه واحد.
وهو ما يُطلق عليه كليات الألفاظ في تفسير القرآن الكريم فإنّ قولهم: «كلّ ما جاء من ذِكْر كذا فهو بمعنى كذا»، يفيد أنّ هذه المواضع نظائر أيضًا يشبه بعضها بعضًا.
هذا، ومرادي بالمسكوت عنه: ما ورد في هذا العلم مبهمًا يحتاج إلى إيضاح، ومجمَلًا يحتاج إلى تفصيل، ويلحق به ما خفي على أكثر الناظرين في هذا العلم مع أهميته في الدراسة الجادة.
ويدور الحديث في هذا المقال حول أربع مسائل مهمّة مسكوت عنها تتعلّق بدراسة الوجوه والنظائر لم تحظَ بعناية الباحثِين والدارِسين بالرغم من كثرة ما كُتِبَ قديمًا وحديثًا في علم الوجوه والنظائر، وبيانها على النحو الآتي:
1- اتجاه قديم مسكوت عنه في النظر إلى الوجوه والنظائر (اتجاه الحكيم الترمذي):
برز اتجاه آخر في القرن الرابع الهجري يخالف هذه الطريقة المؤلَّفة في الوجوه والنظائر، بل ويتعقّبها وينقدها، وتمثَّل ذلك في كتاب: (تحصيل نظائر القرآن الكريم) للحكيم الترمذي المتوفَّى (نحو 320هـ)، وقد بَيَّن سبب تصنيفه هذا الكتاب فقال في مقدّمته: «فإنّا نظرْنَا في هذا الكتاب المؤلَّف في نظائر القرآن، فوجدْنَا الكلمة الواحدة مفسَّرة على وجوه، فتدبّرنا ذلك فإذا التفسير الذي فسّره: إنما اختلفت الألفاظ في تفسيره، ومرجع ذلك إلى كلمة واحدة، وإنما انشعبت حتى اختلفت ألفاظها الظاهرة الأحوال، التي إنما نطق الكتاب بتلك الألفاظ من أجل الحادث في ذلك الوقت».
ثم لم يلبث أنْ طبَّق ذلك على إحدى وثمانين كلمة مما ذكره أصحاب الوجوه والنظائر، فردَّ الوجوه الواردة في كلّ كلمة منها إلى وجه واحد ومعنى جامع.
وهذا الذي ذكره الحكيم الترمذي له حظّ من النظر والقبول، وإن خُولف في بعض ما ذهب إليه، وفي بعض المعاني الجامعة التي رَدَّ إليها بعض الكلمات.
ومن الأمثلة على ذلك أنّ الحكيم الترمذي رَدَّ ثمانية عشر وجهًا ذُكرت في معنى الهدى إلى معنى واحد، فقال: «الحاصل من هذه الكلمة: كلمة واحدة فقط، وذلك أنّ الهدى: هو الميل، ويقال في اللغة: رأيتُ فلانًا يتهادى في مشيته، أي: يتمايل، ومنه قوله تعالى: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ}[الأعراف: 156] أي: مِلْنَا إليك…»، ثم بدأ يطبّق هذا المعنى على جميع الوجوه التي ذكرها أصحاب الاتجاه الآخر.
ولكن يبدو لي هنا أنّ المعنى الجامع لكلمة الهدى، وأصل معناها في اللغة هو الإرشاد.
قال ابن عطية: «والهداية في اللغة الإرشاد، لكنها تتصرّف على وجوه يعبِّر عنها المفسِّرون بغير لفظ الإرشاد، وكلّها إذا تُؤمِّلَتْ رجعَت إلى الإرشاد»، وعقّب الفيروزآبادي على كلامه بقوله: «وهو صحيح، ولم يذكر أَهْلُ اللغة فيها إِلّا أَنَّها بمعنى الإِرشاد، والأَصل عدمُ الاشتراك».
هذا، وقد عُرِف من علماء اللغة مَن له عناية بردّ المعاني المتعدّدة إلى أصل واحد يجمعها، ومن ذلك صنيع ابن فارس في معجمه: (مقاييس اللغة).
وقد أحسَّ ابن الجوزي (المتوفى سنة 597هـ) -وهو أحد المعتنين بالكتابة في الوجوه والنظائر على طريقة مقاتل بن سليمان- بأنَّ كثيرًا مما ورَد في مصنفات مَنْ سبقه بالتأليف في هذا الفنِّ ذُكر فيها من قبِيل التساهل، فقال: «وقد تجوَّز واضعوها فَذكرُوا كلمة واحدة معناها في جميع المواضع واحد: كالبلد، والقرية، والمدينة، والرَّجُل، والإنسان، ونحو ذلك. إِلَّا أنه يُرَاد بالبلد في هذه الآية غير البلد في الآية الأخرى، وبهذه القرية غير القرية في الآية الأخرى. فحذوا بذلك حَذْو الوجُوه والنظائر الحقيقيَّة. فَرَأَيتُ أَن أذكرَ هذا الاسم كما ذكروه، ولقَد قصَد أَكثرهم كثرَة الوجُوه والأبواب، فَأتَوا بالتهافت العجاب».
وقد اعترف أيضًا في آخر كتابه بتساهله في إيراد كثير من الوجوه، فقال: «فهذا آخر ما انتخبتُ من كتبِ الوجُوه والنظائر التي رتّبَها المتقدّمون. ورفضتُ منها لا يصلح ذكره. وزدتُ فيها من التفاسير المنقولة ما لا بَأْس بهِ. وقد تساهلتُ في ذِكْر كلمات نقلتُها عن المُفَسِّرين، لو ناقش قائِلَها مُحَقِّقٌ لجمع بين كثير من الوجُوه في وَجه واحِد. ولو فعلنا ذلك لتعطّل أكثر الوجُوه، ولكنَّا تساهلنا في ذِكْر ما لا بَأْس بِذكرِهِ من أَقوَال المُتَقَدِّمين. فليعذرنا المدقّق في البَحْث…».
هل مذهب الحكيم الترمذي ما زال مسكوتًا عنه في دَرْس الوجوه والنظائر عند المعاصرين؟
حين نُلْقِي الضوء على كتابات أكثر المعاصِرين المعروفين بالعناية بعلم الوجوه والنظائر جمعًا ودراسةً وتهذيبًا نجد أنّ مذهب الحكيم الترمذي الذي سلكه في كتابه: (تحصيل نظائر القرآن)، بَقِي مسكوتًا عنه.
وبيان ذلك: أنه قد وُجِدَ في كتابات المعاصرين اتجاهان إزاء علم الوجوه والنظائر.
الاتجاه الأول: وعليه الأكثرون، موافق لطريقة مقاتل بن سليمان ومَن اقتفى أثره، إلّا أنه تميَّز بشيء من التحرير والجمع لما في الكتب من أوجه، فيفيد من السابقين: كالحيري، والدامغاني، وابن الجوزي، وغيرهم، فتكثر الوجوه لديهم وتتعدّد.
ومن أبرز النماذج على هذا الاتجاه:
1- كتاب: (الوجوه والنظائر؛ دراسة وموازنة)، د. سليمان بن عبد الله القرعاوي.
حاول فيه صاحبه أن يقارن بين الوجوه التي ذكرها العلماء في كتبهم، فميَّز ما زاده بعضهم على بعض، وجعل كتابَ مقاتل أصلًا للدراسة، وقام بترتيب الكلمات ترتيبًا هجائيًّا خلافًا للأصل -أعني كتاب مقاتل- فإنه غير مرتَّب، وهو جهد مشكور من حيث المقارنة بين هذه الكتب وبيان ما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه، وقد قَصَر جُلَّ عمله من حيث المناقشة والموازنة على مواضع الاختلاف بينهم دون الاتفاق، فقال: «أمّا ما اتفق الجميع عليه فلا حاجة لي إلى بيانه، فقد جعلتُ من اتفاقهم كفاية للقارئ، واتفاق الجهابذة في هذا العلم يغنيني، ولا أدّعي لنفسي تفوقًا عليهم…»، ولا يخفَى عليك أنّ اتفاقهم ليس إجماعًا شرعيًّا يجب الالتزام به ويُمْنَع الخروج عنه، بل تمكِن مخالفته ومناقشته، فدعوى عدم حاجته إلى بيان محلّ نظر، لا سيما وأنّ من العلماء مَن خالفهم في كثير مما ذكروه، ويلاحظ أيضًا أنّ المؤلِّف لم يحرص على بيان الوجه الجامع بينها، أو ضمّ بعض الأوجه إلى بعض؛ ليخلص له الأوجه المحرّرة ولا تبقى بهذه الكثرة التي لا ضرورة تقتضيها.
2- موسوعة الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، إعداد: د. أحمد بن محمد البريدي، د. فهد بن إبراهيم الضالع.
وهذه الموسوعة قصد بها صاحباها الجمع بين كتب الوجوه والنظائر في كتاب واحد، بحيث تجتمع جميع هذه الوجوه في مؤلَّف واحد بترتيب واحد وتناسُق معيّن؛ مما يقرب هذا العلم لطالبه، وذكَرَا أنّ هذه هي المرحلة الأولى، ولهما نيّة في إخراج الكتب المخطوطة وإضافتها إلى الموسوعة في مرحلة ثانية، وإضافة ما ذَكَرَه المفسِّرون في أثناء تفاسيرهم مما يدخل في هذا العلم في مرحلة ثالثة ثم تحقيق ما يصحّ من هذه الوجوه في معنى الآية وما لا يصحّ في مرحلة أخيرة، ولكن الموسوعة التي بين أيدينا لا تمثّل إلّا المرحلة الأولى، ومن ثَمّ فإنّ هذه الموسوعة اتّسمت بالجمع، وتركَت التحرير والتنقيح لمرحلة متأخرة، وبناء عليه فقد كان هدف هذه الموسوعة جمع جميع الأوجه المذكورة في كتب الوجوه والنظائر، دون عناية بردّها إلى وجه أو أصل واحد يجمعها، وكذلك فإنها لم تعتنِ بجمع جميع النظائر في داخل الوجه الواحد، ويبقى شيء تميّزت به، وهو بيان مأخذ كلّ وجه دون بيان مستند الاستدلال ومأخذه؛ فمثلًا يذكرون الوجه والشاهد عليه يعقبون مأخذ هذا الوجه: السياق، أو تفسير الشيء بلازمه، أو سبب النزول ونحو ذلك دون بيان المستند، أو تحقيق القول فيه، وفي بعض ما ذُكر من هذه المآخذ ما هو محلّ للتأمّل والنظر.
وعلى كلّ حال فلا شك أن هذا العمل لو اكتمل فإنّه سيكون إضافة كبيرة في هذا العلم، فأسأل اللهَ لصاحبيْهَا التوفيق والإعانة.
الاتجاه الثاني: ينكر أصحابُه الوجوهَ والنظائر، ويرون أنه لا فائدة من دراستها:
يبرز هذا الاتجاه عند أحد أساتذة اللغة العربية والنحو القرآني -بالموصل- في كتابه الذي سمَّاه: (لا وجوه ولا نظائر في كتب الوجوه والنظائر)، وقد أقام بنيانه على أن الوجوه والنظائر عند أصحابها هي المشترك اللفظي في زعمهم، ثم غدَا وراح في إبطال ذلك وبيان أن الوجوه والنظائر لا يتحقّق فيها شرط المشترك اللفظي المعروف لدى الأصوليّين، ثم رتّب على ذلك أنّ صنيعهم تلاعبٌ وتحريف دلالي، ورماهم بما كنتُ أرغب أن يربأ بنفسه عن رمي هؤلاء العلماء به.
ومن كلامه عن علماء الوجوه والنظائر: «تبيّن لي -كما قلتُ غير مرة- أنّ منهجهم هو الارتجال، وإظهار مقدرتهم على اختلاق الوجوه بطرق مختلفة، ولو كان على حساب لغة القرآن الكريم وتشتيتها وتشويهها».
وقد ختم كتابه بقوله: «كُتُب الوجوه لا تستحقّ أن تسمَّى كتبًا، ولو جازتْ هذه التسمية؛ فإني أعدّها كتبًا هدَّامة لأنها هدمت ما بَنتْه كتب متشابه القرآن، وكتبًا صبيانية؛ إذ إني واثق كلّ الثقة من أني أستطيع أن أجعل طالبًا في الثالث المتوسط أن يصنّف كتابًا في الوجوه، بعد أن أعلِّمه الطريقة التي اتّبعها أهل الوجوه في تأليف كتب الوجوه».
والعجيب أنه لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى كتاب: (تحصيل نظائر القرآن) للحكيم الترمذي، بله أن يكون من مصادره التي أفاد منها، ويترجّح -عندي- أنه لا عِلْم له به.
ومما هو جدير بالذِّكْر هنا أن صاحب هذا الكتاب (لا وجوه ولا نظائر) قد غالى في نقده لعلماء الوجوه والنظائر وألزمهم بما ليس بلازم لهم؛ وذلك أنهم حين أوردوا هذه الوجوه لم يذكروها على أنها من المشترك اللفظي الذي يكون كلّ معنى فيه حقيقة مختلفة عن الآخر، بالوضع الأول على السواء في لغة واحدة، بل إنهم قصدوا ما هو أوسع من ذلك بكثير، ولو أحاط الأستاذ بذلك علمًا ما كان ليخطّ هذا الكلام بقلمه، وذلك أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
2- وبناء على ما سبق، فيُعَدُّ من المسكوت عنه الذي يحتاج إلى بيان عدم التفريق بين الوجوه والنظائر والمشترك اللفظي:
وبيان ذلك أنّ مفهوم المشترك في كلام المتقدِّمين عمومًا يقوم على اتفاق اللفظ وتعدُّد المعاني من غير قيود أو شروط، وأمّا علماء الأصول والمنطق فقد وضعوا قيودًا في تعريف المشترك اللفظي للتمييز بينه وبين مصطلحات أخرى قد تلتبس به؛ من مثلِ دلالة اللفظ على الحقيقة والمجاز، واشتباهه باللفظ المتواطئ، فعرَّفه الرازي: «اللفظ المشترك هو اللفظ الموضوع لحقيقتَيْن مختلفتين أو أكثر وضعًا أوَّلًا من حيث هما كذلك؛ فقولنا: الموضوع لحقيقتين مختلفتين، احترزنا به عن الأسماء المفردة، وقولنا: وضعًا أولًا، احترزنا به عمّا يدلّ على الشيء بالحقيقة وعلى غيره بالمجاز، وقولنا: من حيث هما كذلك، احترزنا به عن اللفظ المتواطئ فإنه يتناول الماهيات المختلفة، لكن لا من حيث إنها مختلفة بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد».
قلت: ويحترز أيضًا بقوله: «وضعًا أوَّلًا» عن المنقول؛ فإنه لم يوضع من أول الأمر للمعنى المنقول إليه.
العلاقة بين الوجوه والنظائر والمشترك اللفظي:
إذا راعينا الاصطلاح الذي ارتضاه الأصوليون والمناطقة في تعريف المشترك اللفظي فإن إطلاق القول بأنّ الوجوه والنظائر هي المشترك اللفظي محلّ نظر؛ لأنّ أكثر الوجوه لا تتحقّق فيها تلك القيود الموجودة في المشترك. ومن ثمَّ فلا يصلح القول بأنّ الوجوه والنظائر والمشترك اللفظي شيء واحد، خلافًا لمن سوَّى بينهما كما هو صنيع الإمام السيوطي حين أطلق على الوجوه والنظائر (المشترك)، وألَّف كتابًا أشار إليه في (الإتقان) بقوله: «وقد أفردتُ في هذا الفنّ كتابًا سميته: (معترك الأقران في مشترك القرآن)»،مع أنه ذَكَر في (المزهر) تعريف المشترك، فقال: «وقد حَدَّه أهل الأصول بأنه اللفظُ الواحدُ الدالُّ على معنيين مختلفين فأكثر، دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة».
وبيان ذلك: أنّ الوجوه تقوم أحيانًا على استعمال اللفظ في معنييه: الحقيقي والمجازي، وربما قامتْ على استعمال اللفظ في معناه الأصلي ومعناه المنقول إليه في عُرْف القرآن واستعماله، وربما قامت على علاقة العموم والخصوص بين المعنيين، وربما على معنى التواطؤ، وما إلى ذلك مما ليس من المشترك عند الأصوليين، ومن ثَمَّ فقد انتقد ابنُ عقيلة المكيُّ السيوطيَّ، فقال: «تسمية هذا النوع الذي هو الوجوه والنظائر بالمشترك كما ذكره السيوطي -رحمه الله تعالى- وتمثيله بما سيأتي فيه نظر…؛ فإن المشترك اللفظي الذي إذا أُطلق المشترك لا ينصرف إلّا إليه هو اللفظ الواحد يَشترك فيه معانٍ شتى، مثل: العين يُطلق ويراد بها الباصرة ويراد بها الجارية وعين الشمس والعين الذهب والعين الذات، وفي كلّ واحد معنى مستقلّ غير الآخر.
وأمّا إطلاق اللفظ على ما يدخل تحت عمومه، أو إطلاقه عليه على وجه التشبيه أو الاستعارة؛ فليس هذا من المشترك في شيء، بل المشترك مثل العين وأمثال ذلك، وأمّا الوجوه والنظائر فهي إطلاق اللفظ على ما يدخل تحته أو يشابهه أو يشاكله في المعاني.
وقد ذكر ذلك ابن الجوزي في كتابه المسمّى: (الوجوه والنظائر)، ولم يجعله من المشترك، ومنه نقل الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى- وسمَّاه بالمشترك».
ويمكن أن نستخلص من ذلك: أن الوجوه والنظائر عند هؤلاء العلماء أعمّ من المشترك، وأنّ التعبير عنها بالمشترك في كثير من الأحوال إنما هو على سبيل التجوّز والتوسّع؛ وذلك أنّ العلاقة بين الوجوه قد تكون من قَبِيل المشترك، وقد تكون من قَبِيل ما يندرج تحت المعنى العام من أفراد، أو استعمال الحقيقة والمجاز أو تفسير المبهم وغير ذلك.
Reviews
There are no reviews yet.