تشكل «المدارسة»، كما يصفها صاحبها، نوافذ للإطلالة منها على كتاب الله، وزوايا إضافية للنظر، ومحركات للتفكير، وفتحاً لأبواب التدبر والعودة للقرآن برؤى وأدوات جديدة، ومحاولة لتحقيق خلود القرآن في واقع الحياة، ومعالجة لحالة الهجر التي تعاني منها الأمة، وأنها تصويب لكيفية التعامل مع القرآن، واستدعاء للقرآن من المقابر والجنائز والزوايا والتكايا المهملة والمتاحف والخزائن المزخرفة، إلى العودة به إلى الحياة، ومدّ الجسور للعودة بالحياة إلى القرآن.
ومن ثم فهي محاولة لكسر بعض الأقفال من على القلوب، وفتح المغاليق، ومعالجة القطيعة، واستئناف التدبر، الذي يشكل المحور، الذي ترتكز عليه كيفية التعامل مع القرآن، فهو يورث صاحبه الحكمة، وحسن التدبير للأمور، والتبصر، والإحاطة، وإدراك العواقب، التي تخلف المقدمات، والاعتبار بالتاريخ وماضي الأمة وما لحق بها، بحيث يمكِّن من العبور للمستقبل بأمان وسلام، كما يمنح صاحبه البصيرة، التي تمكنّه من حسن التقدير، ووضع الأمور في مواضعها، وزينها بموازينها. والقرآن كما تراه «المدارسة» اكتشافٌ للسنن والقوانين، التي تحكم الحياة والأحياء، وإمكانية تسخيرها، ومغالبة قدر بقدر، وهو النظر المفتوح صوب الآفاق جميعاً، وهو اكتشاف البوصلة التي تحدد الوجهة، والمفتاح الذي يؤذن بالولوج إلى استيعاب الحياة بشكل صحيح ومتوازن، وهو التفكر والنظر، لاكتشاف علاج واقعنا في القرآن، والإجابة عن إشكالاته، وهو التأمل والنظر والمقاربة والمقارنة بين الأشباه والنظائر، وهو السبيل للنقلة الثقافية واسترداد الفاعلية.
وتمتد تأملات صاحب «المدارسة» في أبعاد كتاب الله، حتى يصل إلى أن القرآن هو القراءة الدقيقة لأدبار الحوادث ونتائجها وماضي الأمم، ومجريات الأمور، والوقوف على عواقبها، لتشكل الهداية للمسيرة الآمنة، ويصبح القرآن مصدر انطلاق، ومصدر رؤية، ومصدر خبرة، ومصدر معرفة، ومصدراً لبناء «الشاكلة الثقافية»، وأن يصبح هو الفقه بكيفية تنزيل القيم الضابطة للحياة على مسيرة الحياة، في ضوء رؤية دقيقة وبصيرة نافذة لمدى الاستطاعة، وفقه المحل، والقيم الملائمة للتنزيل على الواقع، في ضوء الظروف المحيطة والإمكانات المتاحة.
وقد كتب الأستاذ حسنه للطبعة الرابعة مقدمة ضافية تركزت بشكل رئيس حول التدبر ومعانيه وأبعاده وثمراته، ونعى على بعض الفهوم الساذجة والبائسة لعملية التدبر، التي توهمت أن التدبر عملية تقتصر على النظر في لغة القرآن، والنظر في النظم والسياق، والإتيان بأمثلة لا تحرك ساكناً في الواقع، وطرح أسئلة بعيدة عن المساهمة بمعاودة إخراج إنسان القرآن، والاشتغال عن ذلك بتقديم كلمة وتأخير أخرى، وتقديم ذلك بعبارات مغلقة معقدة، وقد يسر الله القرآن للذكر!!
ودعا إلى أهمية انصراف معظم الجهود إلى كيفية إعمال النص في حياة الناس وتجسير التعامل معه، مشيراً إلى أن الإشكالية الأساس في كيفية التعامل مع القرآن اليوم، قد تكون في أن القرآن في عصر النبوة تنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم نُزلاً بعد نُزل، مفرَّقاً منجَّماً حسب الوقائع والظروف، التي يمر بها المجتمع، والإجابة عن أسئلة الإنسان في كل ظرف وحال يعاني منه. أما اليوم، «فالقرآن بين أيدينا، أصبح جملة واحدة، فيه كل الإجابات لكل الظروف والأحوال، فهو أشبه بمخزن الدواء والصيدلية الجامعة لأدوية كل الأدواء، فكيف نبصر حالنا، ونقدر استطاعتنا، ونشخّص عللنا، ونحدد الموقع الذي فيه العلاج ومحل الاقتداء، ونستدعي النص القرآني الموافق لحالنا، ومدى استطاعتنا، في هذه المرحلة»؟
وخلص الأستاذ حسنه في نظراته حول أبعاد التدبر إلى أن التدبر يعني -فيما يعني- إعمال النص في حياة الناس، وبيان كيفية التعامل مع القرآن، وأن الحفظ والنقل والاستظهار من لوازم ومن وسائل التدبر، وأن معظم الجهود القائمة إلى اليوم لا تزال في إطار حفظ النص وتقديسه والتخويف من تطوير النظر فيه وفتح مغاليقه في ضوء مشكلات الناس ومعاناتهم، ذلك أن هذا التخويف نوع من الوهم، الذي مهما بلغ من الخطأ والشطط لا يمكن أن ينال من النص القرآني المحفوظ بحفظ الله، وسوف يبقى اجتهاداً بشرياً لا قدسية له، داعياً العقول والأفهام لتتحرك في كل اتجاه في رحلة الكشف عن أبعاد الخلود، فذلك لا يضر النص ولا يقلل من أهميته، بل يجعله محور التفكير والثقافة، خاصة أن القرآن هو خطاب للناس جميعاً، وقد أصبح اليوم بين أيدينا جملة واحدة، والمطلوب الاجتهاد في كيفية التنزيل على واقع الناس بحسب الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة، لتحقيق خلود النص القرآني وامتداده واكتشاف السنن الجارية، وحسن التعامل معها، والابتعاد عن المساهمة بالعطالة والهجر، نتيجة الدعوة للتعلق بالسنن الخارقة التي شأنها إلى الله. وبذلك وفي إدراك أبعاد التدبر وممارسته، يمكن أن تتحقق النقلة الثقافية، ونُبصر كيف نتعامل مع القرآن، ونكتشف زوايا جديدة لأبعاد خلوده، وعندها نجد أنفسنا في القرآن، ويمكّننا ذلك من استنطاقه لحل مشكلات الإنسان في كل زمان ومكان.
Reviews
There are no reviews yet.