Description
توحيد الصانع ببرهان التمانع في علم الكلام | الملا محمد بن عبد الله الزيارتي الكردي
برهان التمانع، هو أحد البراهين العقلية المهمة في إثبات وحدانية الله تعالى ونفي تعدد الخالق المدبر، ویتألّف هذا البرهان من مقدّمتین أساسيتين، وهما وجود الانسجام والوحدة والتناسق فی عالم الخلق، والثانیة: إنه لو كان يحكم هذا الكون أكثر من رب واحد لما انتظم أمر هذا الكون ولدخله الفساد والخلل، وبما أنّنا لا نلاحظ أي اختلال أو خلل فی هذا الکون والقوانین الحاکمة فیه، ندرك بالبداهة والضرورة أنّها تنشأ من مبدئ واحد وأنّها مخلوقة ومدبّرة ومنظّمة من خالق واحد.
والأصل القرآني لهذه الحقيقة هو قوله سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢﴾ [الأنبياء:22] والخلاصة: لا إله خالق ومدبر ومستحق للعبادة إلا [[الله|الله فلا يوجد إله حق يستحق للعبادة والخضوع والخنوع إلا الله الواحد الأحد؛ لأنه هو الرب الخالق البارئ المصور البديع، وصدق الله إذ يقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢﴾ [الأنبياء:22] ويقول: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١﴾ [المؤمنون:91]. ويقول: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ٤٢﴾ [الإسراء:42].
المباني الشرعية لبرهان التمانع
المباني القرآنية
ذكر بعض مفسري القرآن برهان التمانع في ذیل الآيات القرآنية التالية:
-
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:22].
-
قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:91].
-
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٢٩﴾ [الزمر:29].
وأشاروا إلى أنّ الله سبحانه وتعالى ينبّه عباده في تلك الآيات الكريمات أنه لو كان في السماوات والأرض آلهة سوى الله تعالى الذي هو خالق الأشياء كلها لفسدت السماوات والأرض بما فيهما ولدخلهما الخلل، ففسادهما لازم لتولي أمرهما آلهة شتى، وبما أن أمرهم منتظم غاية الانتظام فدلّ ذلك عقلًا على أنّ الإله المتصرف فيهما دون سواه إله واحد.
قال الزمخشري في تفسيره لهذه الآية: (والمعنى: لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما، لفسدتا، وفيه دلالة على أمرين: أحدهما: وجوب ألا يكون مدبرهما إلا واحدا.
والثاني: ألا يكون ذلك الواحد إلا إياه وحده لقوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأنبياء:22].
وقال العلامة الطبرسي في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:22]: (ومعناه. لو كان في السماء والأرض آلهة سوى الله، لفسدتا وما استقامتا، وفسد من فيهما، ولم ينتظم أمرهم. أي هذا هو دليل التمانع الذي بنى عليه المتكلمون مسألة التوحيد).
تقريرات البرهان
عند المتكلمين
استدل المتكلمون على إثبات وحدانية الله في ربوبيته بالدليل المشهور والمعروف بدليل التمانع. كما اتفقت كلمة أغلبهم على أن التمانع مذكور في كتاب الله وبالأخص في سور الأنبياء من قوله سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:22].
وهي تعني: أنه لو كان في السموات والارض آلهة سوى اللّه لبطلتا وفسدتا، لما يكون بين الآلهة من الاختلاف والتمانع. وإنّ الانسجام المحكم الذي نلمسه في جميع أجزاء الكون يوحي أن مدبر أمور الكون واحد، لأن تعدد الإرادات سيؤدي إلى تضاربها واختلاف تدبيرها في السماء والأرض، وبالتالي فإن إحداها ستمحو أثر الأخرى وهذا ما عبر عنه القرآن بالفساد.
ولبرهان التمانع عدة صيغ كلامية، إلا أن أبسطها وأكثرها تداولا:
إذا افترضنا وجود إلهين وكانا مستجمعين لشروط الإلوهية التي منها القدرة والإرادة. فإنا نفترض أيضا جواز تعلق أحدهما بإيجاد المقدور وتعلق إرادة الآخر بعدم إيجاده. وذلك لأن الاختلاف في الداعي ممكن. وهنا يمكن تصور ثلاث حالات لا غير:
-
إما أن يتم ما أرادا جميعا بأن يتحقق مراد كليهما، وهذا مستحيل؛ لأنه يستلزم اجتماع النقيضين.
-
وإما أن لا يتحقق مراد أي منهما، وهذا معناه ارتفاع النقيضين. وهو محال أيضاً. كما أنه يلزم منه عجزهما، وهذا خلف كونهما إلهين.
-
وإما أن يتحقق مراد أحدهما ويمتنع مراد الآخر، فيكون من تم مراده هو الإله، والآخر ليس إلهاً؛ لأنه عاجز، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، وهذا خلف فرض كونه إلها.
وبعبارة أخرى: أن تعلق قدرة أي منهما بالمقدور تمنع من تعلق قدرة الآخر به، والتمانع هو حصول المنع من كل طرف من الطرفين. ولذا سمي هذا البرهان باسم برهان التغالب.، وبرهان نفي فساد الكون أيضا.
قال الباقلاني شارحاً دليل التمانع: (وليس يجوز أن يكون صانع العالم اثنين، ولا أكثر من ذلك، والدليل على ذلك أن الاثنين يصح أن يختلفا، ويوجِد أحدهما ضد مراد الآخر؛ فلو اختلفا، وأراد أحدهما إحياء جسم، وأراد الآخر إماتته، لوجب أن يلحقهما العجز، أو واحداً منهما؛ لأنه محال أن يتم ما يريدان جميعاً لتضاد مراديهما. فوجب أن لا يتما، أو يتم مراد أحدهما، فيلحق من لم يتم مراده العجز. أو لا يتم مرادهما، فيلحقهما العجز. والعجز من سمات الحدث، والقديم الإله لا يجوز أن يكون عاجزاً).
عند متقدمي ومتأخري الفلاسفة
انتقد متقدمي فلاسفة المسلمين طريقة المتكلمين في صياغة برهان التمانع، فمثلا اعتبر كلا من ابن سينا وابن رشد، صياغة المتكلمين لبرهان التمانع غير كافية ولا تعبر عن المطلوب. وأن استدلالهم بهذا البرهان يعبر عن جانب جدلي اقناعي ولا يستند إلى دليل قطعي يفيد العامة ويرضي الفلاسفة.
كما اعتبره السهروردي دلیل اقناعي وخطابي أيضا.
وهذا هو رأي أكثر متقدمي فلاسفة المسلمين إذ يرون أنّ مقدمات برهان التمانع الكلامية مأخودة من افتراضات واعتقادات عامة ومسبقة. وتتعارض مع الأسس الفلسفية السليمة. وكان ملا صدرا قد ذكر هذا البرهان في كتابيه المبدأ والمعاد والأسفار الأربعة. وكتب في تقرير هذا البرهان أيضاً.
ويرى بعض المفكرين المعاصرين أنّ كل الانتقادات الواردة على برهان التمانع مردودة ويمكن الإجابة عليها. وهنالك من الفلاسفة المعاصرين من يرى أنّ الانتقادات الموجهة لبرهان التمانع حسب المباني الكلامية للمعتزلة والأشاعرة هي انتقادات صحيحة وثابتة، وأن الصياغة المعاصرة لبرهان التمانع هي التي تصون هذا البرهان من كل تلك الانتقادات والإشكالات السابقة.
كما ذكر العلامة الطباطبائي في كتابه نهایة الحکمة برهان التمانع ضمن بحثه (توحيد الربوبية)، وبين إن إدعاء وجود أكثر من خالق ومدبر لهذا العالم لازمه الحتمي فساد نظام هذا العالم. أو بعبارة أخرى: إن فرض وجود أكثر من رب هو أمر مستحيل عقلأ.
عند العرفاء
استند ابن عربي إلى الآیة 22 من سورة الأنبياء. في إثباته لبرهان التمانع. إذ يرى أنّ وجود العالم وبقائه وعدم فساده ينفي افتراض تعدد الألهة معتمدا بذلك على طريقة المتكلمين القائلة باستحالة تعدد الألهة بحسب برهان التمانع في الآية الكريمة.
كما ذكر أن هذا الدليل هو نفس حجة إبراهیم الخلیل (ع) في مقابل المعتقدين بإلوهية النجوم والقمر والشمس. وأضاف أنّ وروده في القرآن الكريم يؤكد متانة هذا الدليل وأنه من أقوى الأدلة العقلية في إثبات التوحيد الربوبي.
للمزيد من المعلومات عن هذه المادة العلمية ، الرجاء زيارة موقع وكيبيديا
Reviews
There are no reviews yet.